الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام
15/02/19 چاپ
 

دور العبادة في أسلوب الحياة (الجلسة السابعة)

بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة السابعة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ. 

ينبغي أن يكون أسلوب حياتنا بالنحو الذي لا يسهل فيه الظلم والتعدي مع بعض

إذا أردنا أن نرى الأخلاق ذات صلة بأسلوب الحياة وعاداتنا السلوكية وتقاليدنا الاجتماعية، فلابدّ أن نستخدم أسلوب حياتنا في سبيل إصلاح أخلاقنا وروحياتنا الأخلاقية والمعنوية. وينبغي أن لا نسمح لأسلوب حياتنا أن يسهل فيه الظلم والتعدي وإساءة بعضنا إلى بعض. يجب أن يكون أسلوب الحياة وسلوك أفراد المجتمع والآداب الاجتماعية بالنحو الذي لا يتسنى لأفراد المجتمع أن يظلموا الآخرين أو يسيئوا إليهم. 

ينبغي أن يكون الفارق بيننا وبين الأوروبيين هو قلة حاجتنا إلى القانون والقضاء والشرطة

إن الحكمة من وجود القوة القضائية وبعض أقسام القوة التنفيذية والتقنينية هي أن يقفوا أمام بعض الممارسات المخالفة والجرائم في المجتمع، بينما يمكن الوقوف أمام الكثير من هذه الجرائم والمخالفات عبر أسلوب الحياة الجيّد.

لا ينبغي لنا أن نقلّد الأوروبيين ونذهب إلى ما ذهبوا إليه من سلوك ومنهج وأساليب. إن القوة القضائية في بلادهم قوة كبيرة جدا ولديهم الكثير الكثير من السجون والسجناء، كما تتّصف الشرطة في تلك البلاد بالعنف والكثرة البالغة، فهل ينبغي لنا أن نتصرف مثلهم ونقلدهم في هذه الأمور؟ وكذلك في بلدانهم الكثير من القوانين المخالفة للشؤون الإنسانية في المجتمع، فهل لابدّ لنا أن نقلّدهم في هذه الجوانب؟

ينبغي أن يكون الفارق بيننا وبينهم هو أن لا نكون بحاجة إلى القضاء والشرطة والقوانين والمؤسسات الرقابية في سبيل تكوين مجتمع صالح بهذا القدر الموجود هناك. طبعا إن القانون أمر جيّد وحسن، ولكن ينبغي أن يكون أسلوب حياة الناس بالنحو الذي لا يحتاجون إلى القانون في كثير من الأحيان. فترى الكثير من الناس قد وقّعوا على بعض البنود المدرجة في وثيقة عقد زواجهم، ثم ضمّوها في صندوق بيتهم ولم يحتاجوا إليها بعد. فهل أنتم تراجعون وثيقة زواجكم يوميا وتتعاملون وتتفقون على أساس ما ذكر فيها من بنود؟!

يودّ الناس أن يعيشون على أساس الأخلاق والمودة لا على أساس فرض القانون/ فإذا أقمنا حياتنا على أساس المودّة والأخلاق، عند ذلك لا نحتاج إلى إكراه القانون

يود الناس أن يعيشون على أساس الأخلاق والمودة لا على أساس فرض القانون؛ لا أنّهم يريدون أن يخالفوا القانون أو يعيشوا بلا قانون. ولكننا إذا أقمنا حياتنا على أساس المودّة والأخلاق، عند ذلك نكون بغنى عن فرض القانون وشدّة الشرطة. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «وَ لَا تَکُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِی إِیلَامِهِ فَإِنَّ الْعَاقِلَ یَتَّعِظُ بِالْآدَابِ وَ الْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْب»[نهج البلاغة، الكتاب31]

إن المجتمع الذي لا يطبق القانون لولا وجود الشرطي فهو مجتمع ضعيف/ ينبغي أن يرتفع مستوى ثقافتنا بحيث يعطّل نصف القوة القضائية

لا ينبغي أن تكون شخصيتنا بالنحو الذي نحتاج إلى وجود شرطي في كل مفترق طرق حتى نطبّق القانون. فإن المجتمع الذي لا يطبّق أحد فيه القانون لولا وجود الشرطي فهو مجتمع ضعيف. إن المجتمع الذي يكثر فيه المراجعون إلى مراكز القضاء فثقافته سيئة. ينبغي أن يرتفع مستوى ثقافتنا بحيث يعطّل نصف القوة القضائية. طبعا وبالتأكيد لابدّ أن يكون قضاؤنا قويّا ومنصفا وسريعا ودقيقا، ولكن في بعض المجالات الخاصة وبالنسبة إلى من يتعدى على حقوق الآخرين. أما بالنسبة إلى باقي المسائل والخلافات التي تحدث بين أبناء المجتمع فلا ينبغي أن تعالج عبر محاكم القضاء. فإن القوة القضائية لا تخفض كميّة الاعتداءات والجرائم في المجتمع، بل إنما هي من أجل الدخول في بعض الملفات والجرائم الخاصة لا في كل صغيرة وكبيرة تحدث في المجتمع.

إن الكثير من القوانين المصوّبة هي من أجل سدّ إمكان التحايل والسرقة. بيد أن أغلب هذه القوانين تفترض أن جميع الناس هم سرّاق إلا من خرج بالدليل. فإذا لم يكن الإنسان طامعا بما ليس من حقّه، لا يحتاج بطبيعة الحال إلى هذه القوانين وهذه الكمية الكبيرة من المؤسسات الرقابية.

لابدّ أن يقلّل أسلوب حياتنا إحصائيات الجرائم والمخالفات/ إن أسلوب الحياة الروحانية في شهر رمضان، بات يخفض من عدد الجرائم

لابد أن نسيطر على حياتنا بثقافتنا وأسلوب حياتنا، وذلك يعني أن نشيع بعض مصاديق السلوك والعادات بين عامة الناس ما يؤدي إلى انخفاض إحصائيات الجرائم تلقائيا. فعلى سبيل المثال تحكي الإحصاءات عن انخفاض عدد الجرائم في شهر رمضان، لأن أسلوب حياة الناس الروحانية بات يقلّل من الجرائم.

ينبغي لأسلوب حياتنا أن يكون هو صاحب الدور الرئيس في منع الجرائم بدلا عن الشرطة

أحد الآثار الأخلاقية المترتبة على أسلوب الحياة السالمة هو أن تقلّ عدد الجرائم والإساءات فيه. فالأسلوب الصحيح هو أن يتكفل أسلوب الحياة نفسه بدفع أكثر الجرائم والمظالم، لا أن تكون المسؤولية الكبرى على عاتق قوات الشرطة وأجهزة الأمن.

وكذلك في مجال تربية الأولاد يقال أن ربّوا أولادكم بإعطاء الكرامة لهم واحترام شخصيتهم لا عبر السيطرة والرقابة الشديدة. فإن نثق بولدنا ونحترم شخصيته، عند ذلك حتى وإن استغلها أحيانا، يندم بسرعة ويؤنبه ضميره بعد ما وجد منا التعامل الكريم تجاهه.

ينبغي مهما أمكن أن تتمّ السيطرة على سلوك أفراد المجتمع بلا حاجة إلى قانون ورقابة منفذي القانون. طبعا لابدّ من وجود القانون والقضاء والشرطة إذ هناك أقلية ممن لا يتورع عن الاعتداء والسرقة، ولكن لا ينبغي أن نعمّم نظرتنا السلبية على الجميع ونفترض أن جميع الناس غير متدينين وغير مؤمنين.

فإذا احترمنا شخصية الناس وحفظنا كرامتهم، سوف نجد بعض المخالفين يندمون من أعمالهم ويتوبون بدافع من أنفسهم. وأساسا بهذا الأسلوب سوف تستقرّ وتترتب أوضاع المجتمع بشكل أفضل.

فإحدى النتائج التي يؤول إليها أسلوب الحياة الإسلامية هو تحسّن المجتمع في الجانب الأخلاقي وهبوط مستوى الظلم والإجرام فيه.

 

إن الصلاة تقلل الحاجة إلى الشرطة لما تنتجه من سلب الكبر/ إن أكثر السجناء الذين ارتكبوا جرائم كبيرة لم يكونوا من المصلّين

إن الله قد خصّص قسما من حياة عبده للعبادة. فحينما يضطر العبد أن يصلي لربه خمس مرات في اليوم، يتضاءل كبره ويخشع. فمثل هذا العبد سوف لا يتبجح على الآخرين ويبعد عنه احتمال ارتكاب مخالفة أو جريمة. وحتى إن عثر عثرة واجترح مخالفة ما فحسبه أن يقال له أن عملك هذا لا ينسجم مع صلاتك حتى يرجع إلى نفسه ويعيد حساباته.

إذن نستطيع القول بأن الصلاة والعبادة تقللان من حاجة المجتمع إلى الشرطة. وكذلك الحال بالنسبة إلى الصوم، فبرأيكم إن هذا الإنسان الصائم الذي عفّ عن الطعام الحلال بسبب صيامه، هل سوف يمدّ يديه على الحرام؟ إن أثر العبادة في أسلوب الحياة أثر رهيب، حيث إنها تذلل العبد بين يدي ربّه وأغلب المجرمين هم من الشريحة التي لا علاقة لها بالعبادة، كما تحكي الإحصائيات أن أكثر السجناء الذي دخلوا السجن بسبب إجرامهم ـ لا لإسباب وطوارئ أخرى ـ كانوا غير مصلين.

إن العبادة تقف سدا أمام النفس الأمارة/ إن أهل العبادة لا يميلون إلى الجرائم

أحد أدوار العبادة في أسلوب حياتنا هي أنها تقف سدّا أمام أهوائنا النفسانية، فعلى سبيل المثال إن مجرّد التزامنا بوجوب الاستيقاض وأداء صلاة الصبح هو جهاد ضدّ أهواء النفس بحد ذاته. ولذلك إن من يلازم العبادة سوف يحظى بشخصية متينة عالية تأبى عن ارتكاب الجرائم والمخالفات. 

لو يتم إنتاج أفلام معدودة تجسد الأثر التربوي للصلاة وما لها من تأثير على شخصية الإنسان، سوف يتضاعف إقبال الناس على الصلاة، إذ لا علم لكثير من الناس بجمال الصلاة وآثارها وبركاتها.

إن كِبر الإنسان وتبختره بحاجة إلى موقع ومقام خاص ليتهافت، وإن الله قد أعد الصلاة لهذا الغرض. فالذي يركع ويسجد لله يوميا، فإنه بطبيعة حاله يبتعد عن ممارسات التفرعن والتبختر والغطرسة في المجتمع. ولهذا نجد أن الله قد أدرج الصلاة في أسلوب حياتنا اليومي حيث لا تنفك عن حياتنا إن التزمنا بها فإنها عمل دائمي مستمر وله آثار واسعة.

إن العبادة الداخلة في أسلوب حياتنا الإسلامية، تؤدي دور الأستاذ الأخلاق لباقي أعمالنا

إذا أراد مجتمع أن يجعل أسلوب حياته إسلوبا إسلاميا أخلاقيا، لابدّ أن يعرف أن هذه العبادات الداخلة في أسلوب الحياة من شأنها أن تؤدي دور أستاذ الأخلاق تجاه غيرها من الأعمال. فعلى سبيل المثال عندما تحضر في جلسة ضيافة وأنس وسَمَر مع أصدقائك وأقربائك، وفي الأثناء يرتفع صوت الأذان ويحين وقت الصلاة، فإن مجرد تلبية نداء الأذان ومغادرة تلك الجلسة لأداء الصلاة هو جهاد للنفس بحد ذاته وله أثر أخلاقي حميد على الجميع.

إن أعلى نسبة لاعتناق الإسلام سنويا في فرنسا هي في شهر رمضان المبارك

لقد قال لي أحد أساتذة الجامعة المسلمين في فرانسا الذي أصله جزائري وكان قد تقاعد من منظمة اليونسكو: إن أعلى نسبة لاعتناق الإسلام سنويا في فرنسا هي في شهر رمضان المبارك. فحينما يرى الفرنسيّون أنّ هناك مسلمون قد صاموا في هذا الشهر وكفّوا عن الطعام امتثالا لأمر ربهم، ينجذبون إلى الدين ويعتنقون الإسلام.

يسلب الله طغيان الناس من خلال بعض العبادات كالصلاة والصوم فتجد المصلي الصائم ليّنا متواضعا في المجتمع 

إذا أعرنا اهتماما بالعبادة، سوف تقل حاجة المجتمع إلى القضاء والقوات الرقابية. إن الله يسلب طغيان الناس من خلال بعض العبادات كالصوم والصلاة والحج، فتجد المصلي الصائم ليّنا متواضعا في المجتمع. (وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذینَ یَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً)[فرقان/63].

إن علاج طغيان الناس هو الأنبياء لا الشرطة

إن علاج طغيان الناس هو الأنبياء لا الشرطة. ولا شك في أننا لسنا بغنى عن الشرطة إذ لهم شأنهم ودورهم الخاصّ.

في أولى الآيات التي أنزلها الله على نبيّه(ص) قال فيها: (کَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَیَطْغى‏* أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنى‏)[العلق/6و7]. فكأنه قال لنبيه أن اذهب إلى قومك فإنهم طغوا. فيأتيهم النبي(ص) ويحرضهم على الصلاة، إذ أنها تسلب الطغيان وتقف أمام أسلوب الحياة التي تجرّ صاحبها إلى الطغيان. ولهذا يقول الله سبحانه: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْکَر)[العنکبوت/45].

وهناك عامل آخر يسلب عنّا الطغيان وهو ذكر مصاب سيد الشهداء(ع)

ومضافا إلى العبادة بمعناها الخاصّ، هناك عامل آخر في أسلوب الحياة الإسلامية يجرد الإنسان عن الطغيان ويلحق به الخشوع، وهو ذكر مصاب أبي عبد الله الحسين(ع). فما أن يتذكر الإنسان تلك اللحظات التي سقط فيها الحسين(ع) على رمضاء كربلاء يخشع ويتهافت. كما عندما يتذكر أطفال الحسين(ع) إذ يطاردون بالسياط والرماح يفقد ما اعتراه من عجب وغرور. إنّ ذكر مصاب الحسين(ع) يسقط حبّ الدنيا من قلب الإنسان، وهذا هو أثر دماء الشهداء بشكل عام فما بالك بسيد الشهداء. فما إن يذكر اسم الحسين ويقام مأتم الحسين تجد الناس يبذلون من أموالهم وأوقاتهم في سبيل مجالس الحسين. فإن له أثر عظيم على القلوب.

لا أدري هل ذهبتم إلى زيارة الأربعين أم لا، فإن العراقيين يبذلون كل ما وفروه وجمعوه طوال السنة في خدمة زوار أبي عبد الله ويجسدون مشاهد رائعة وصورا عظيمة. هذا هو أثر مصيبة الحسين(ع)، فإنه ينزع من قلبك حب الدنيا ويسقطها من عينك، فيسهل عليك حينئذ أن تبذل وتعطي وتضحي من أجله.

وإن هذا الأثر لا يختص بنا العوام، فحتى الإمام الحسين(ع) الذي هو من أكبر أولياء الله في هذا العالم عندما سمع بخبر استشهاد مسلم بن عقيل قال: لا خير في العيش بعد هؤلاء. عندما شاهد علي الأكبر وقد قطعوه القوم بسيوفهم أربا أربا، قال: على الدنيا بعدك العفا. 

إن أسلوب حياتنا ينطوي على إكسير عظيم الذي لا يحظى به غيرنا وهو أننا اعتدنا في مجالسنا واجتماعاتنا أن نذكر مصاب الحسين(ع) ونبكي عليه فاعرفوا قدر هذه النعمة. وسوف نلتقي يوم القيامة ونرى أن صلاتنا كانت رهينة مجالس عزائنا، حيث قال إمامنا الخميني(ره) أن كل ما عندنا من محرم وإن محرم وصفر ومجالس الحسين هي التي أبقت الإسلام وحافظت عليه.

صلى الله عليك يا أبا عبد الله

عندما استشهد علي الأكبر وقطعوه القوم بسيوفهم إربا إربا شدّ الحسين عليه السلام نحوه حتى وقف عليه، ووضع خدّه على خدّه، وقال: قتل الله قوما قتلوك، ما أجرأهم على الرحمن وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول(ص)، بني على الدنيا بعدك العفا. فخرجت هنا زينب مسرعة نحو الحسين وولده تنادي: يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه يا نور عيناه فجاءت وانكبت عليه، فلعلها خشيت على الحسين أن يفارق الحياة حزنا وحسرة على ولده، فإنها في الواقع جاءت وصرخت لتنفذ الحسين من شدة لوعته وحزنه فما كان الحسين برافع وجهه من وجه ولده عليّ لولا ما سمع صوت زينب. فقام الحسين بعدما سمع نحيبها وأخذ بيدها وأرجعها إلى الفسطاط.

صلى الله عليك يا مظلوم يا أبا عبد الله

 

 

 

تعليق