الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام
15/02/19 چاپ
 

دور العبادة في أسلوب الحياة (الجلسة السادسة)

بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة السادسة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ. 

فأغلب العرفاء قد سلكوا هذا الطريق نفسه ولم يكونوا ممّن طوى درب الكمال بين ليلة وضحاها. طبعا كان هناك بعض الأشخاص الذين حظوا بفرص خاصة وطووا هذا الدرب بليلة واحدة، كالشهداء الذين نالوا هذه الفرصة في خضم الجهاد في سبيل الله، ولكن أكثر الصلحاء والعرفاء قد اجتازوا هذا الطريق الطويل بالعمل المستمر والجهاد المتواصل. ومن أروع نماذج هؤلاء الصلحاء هو إمامنا الخميني(ره)، فإذا وجدناه في عمر السبعين والثمانين والها في عشق الله ولم ير سوى الله، فإنه قد جاهد في هذا الطريق منذ شبابه وداوم على العبادة مع مراعاة آدابها حتى نال هذا المقام وإلا فلم يكن الإنسان يصل إلى تلك الدرجات في ليلة واحدة.

يقول أمير المؤمنين(ع): «دَوَامُ‏ الْعِبَادَةِ بُرْهَانُ‏ الظَّفَرِ بِالسَّعَادَة»[غررالحکم/ص819].

حاولوا أن لا تتركوا العبادة إن استمرتم عليها وإلا فقد يعتريكم بلاء

فلنسأل الله أن يوفقنا للدوام في العبادة. ولكن إذا استمرنا على عبادة ما لابدّ نحافظ عليها ولا ندعها ونتركها أبدا. فقد نهت رواياتنا عن ترك العبادة بعد ما داومنا عليها. روي عن رسول الله(ص): «مَا أَقْبَحَ‏ الْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنَى‏... وَ أَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ الْعَابِدُ لِلَّهِ ثُمَّ يَدَعُ عِبَادَتَهُ» [الكافي/ج2/ص84].

حتى في مجال الرياضة يقول المتخصّصون إذا استمرّ الإنسان على رياضة ثقيلة لفترة من الزمن ثم يتركها فجأة يصاب جسمه بصدمات ويواجه مشاكل، وهذه ظاهرة يعاني منها الكثير من الرياضيين المحترفين بعد ما يتركون نشاطهم الرياضي. هذا على صعيد جسم الإنسان حيث إنه يصاب ببعض الأضرار بعد ما يترك الرياضة، فما بالك بروحه فكم تتضرر حينما يترك الإنسان عبادة بعد ما داوم عليها لفترة من الزمن!

فواظبوا على برنامجكم العبادي الثابت ولا تتركوا ما داومتم عليه من عبادة، وإلا فلعلكم تصابون ببلاء لا سامح الله. فعلى سبيل المثال إن كنتم مواظبين على عقد مجلس عزاء على الحسين شهريّا أو سنويّا، فلا تتركوه أبدا فسوف تبتلون وتتورطون بمشاكل وحوادث لا تحمد عقباها. وإني قد رأيت نماذج كثيرة ممن تورطوا بمشاكل كثيرة بعد ما اعتادوا بعمل ما ثم تركوه.

لا ينبغي أن نفرض على أنفسنا برنامجا عباديا ثقيلا بالنحو الذي لا نطيق على الاستمرار عليه/ أثناء ما نخطط البرنامج العبادي لابد أن نأخذ بعين الاعتبار الأوقات والأيام التي ليس لنا إقبال فيها إلى العبادة

من السيئ جدا أن يداوم الإنسان على عبادة ما ثم يتركها. فإذا عزمتم على الاستمرار بعبادة ما، لابدّ أن تعدوا برنامجكم بالنحو الذي تتمكنوا من الالتزام به والدوام عليه. وعليه فأثناء ما نخطط البرنامج العبادي لابدّ أن نأخذ بعين الاعتبار الأوقات والأيام التي ليس لنا إقبال فيها إلى العبادة.

ليس من المطلوب أن تتخذوا لأنفسكم برنامجا عباديا ثقيلا وبعد ذلك تسأموا منه وتتركوه. فإذا كنتم تعرفون بأنّكم سوف تصلون إلى هذه المرحلة فلا تبدأوا بهذا البرنامج الثقيل من الأساس وابدأوا ببرنامج خفيف لا تعيون عن مواصلته بعد فترة. فعلى سبيل المثال إن كنتم لا تقدرون على قراءة زيارة عاشوراء يوميا، فاكتفوا بالقول يوميا ثلاث مرات: «السلام عليك يا أبا عبد الله»، أو إن كنتم لا تقدرون على زيارة الجامعة في كل أسبوع مرة واحدة، فاكتفوا بالسلام الأول فيها وقولوا: «السلام عليكم يا أهل بيت النبوة».

ما إن بدأنا بعبادة على سبيل الدوام والاستمرار، لابدّ أن نواظب عليها ونخشى أن نتركها. فقد قال رسول الله(ص): «إنَّ النَّفسَ مَلولَةٌ و إنَّ أحَدَکُم لا یَدرى ما قَدرُ المُدَّةِ، فَلْیَنظُرْ مِنَ العِبادَةِ ما یُطیقُ، ثُمَّ لِیُداوِمْ عَلَیهِ»، ثم يكمل الرسول حديثه مشيرا إلى أهمية العمل المستمر ويقول: «فإنَّ أحَبَّ الأعمالِ إلَى اللهِ ما دِیمَ عَلَیهِ و إن قَلَّ»[ميزان الحكمة/14424]. وقد أشار النبيّ(ص) إلى هذه الحقيقة أيضا عند ذكره للعبادات والأعمال الصالحة كالتصدّق مثلا.

من أساليب الشيطان أن يؤيّسك من العبادة أو تشجيعك على العمل الكثير الذي لا تطيق الدوام عليه

من أساليب الشيطان هي أنه عندما يراك تزعم على العبادة والصلاح وفعل الخيرات، يأتي ويؤيسك من هذا الطريق فينفث في قلبك أنك لا تقدر على هذه الأعمال وأنت لست من رجال الخير وأنت لست ممن يقدر على العبادة وترك المحرمات حتى يجعلك تترك العبادات كلّها. فإذا إثيرت حفيظتك وعزمت بشدة على مقاومته وعمل الخير، يشجعك ويطبطب عليك ويقول لك: التزم بصلاتك مع نوافلها وتعقيباتها ومقدماتها وآدابها و... ففي هذا الأسلوب أيضا يريد أن يؤيّسك من الصلاة والعبادة.

إن أيسر الأعمال مداومة هو ذكر الصلوات

إن أيسر الأعمال للمداومة والالتزام بها هو الصلوات على محمد(ص) وآل محمد(ع). إن هذا الذكر ثمين جدا وهو أشرف مما عداه من أدعية وأذكار. فلنعزم على الالتزام بهذا الذكر الشريف والمداومة عليه فإن فيه آثارا وبركات عجيبة.

فمن آداب شهر رمضان المبارك والذي قد أشار إليه النبي(ص)، هو الإكثار من الصلوات على محمد وآله، ولا أدري ما السرّ في هذه الصلوات حيث جعلها النبي من آداب شهر رمضان. كما وصانا النبي أن نرفع أصواتنا بالصلاة عليه فإنها تذهب بالنفاق من القلب وتتضاعف آثارها حينئذ. أسأل الله أن يدخل هذا الذكر الشريف في أسلوب حياتنا ونستأنس به أكثر من قبل.

عندما يذكر اسم النبي محمد(ص) فإنك بصلواتك عليه وعلى آله تعلن لله بإنك من أتباعه ومحبّيه وهواته وشيعته وأمّته وروّاده. فتزداد قدرا وشأنا عند الله ويرفعك الله إلى المقامات العليا وسوف ترى قدر الصلوات وثقلها عند الميزان ووزن الأعمال وتتحسّر من كونك لم تجهد في أيامك وفراغك بالصلوات على محمد وآل محمد.

صلى الله عليك يا أبا عبد الله

ولا يخفى عليكم أن النبي(ص) قد نهى عن الصلوات عليه بلا أن نصلّي على آله وسمى هذه الصلوات بالصلاة البتراء. [الصواعق المحرفة، ج2، ص430] حيث قد أمره الله أن يطالب الأمة بأجر الرسالة وهو مودة آله وذريته؛ (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏)[الشورى/23]. ولكن يا حسرتا على الحسين(ع) حيث وصل الأمر به يوم عاشوراء في كربلاء أن أقبل ينادي القوم بأعلى صوته: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدي رسول الله؟... أنشدكم الله هل تعلمون أن أمي فاطمة بنت محمد؟!... هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب؟!... أنشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله أنا لابسها؟!...

ألا لعنة الله على القوم الظالمين...

تعليق