الطريق الوحيد معالم الأسرة الصالحة رحلة الأربعين تعرف علینا بقلم استاذ البريد الكتروني فیسبوک تويتر انستقرام تلغرام
14/12/31 چاپ
 

الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني (الجلسة السادسة)

ملخص الجلسة السادسة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «الطريق الوحيد والاستراتيجية الرئيسة في النظام التربوي الديني» ألقاها في ليالي شهر رمضان المبارك عام 1434هـ. في مسجد الإمام الصادق(ع) في مدينة طهران

نحن بحاجة إلى تعقل الدنيا قبل تعقل الدين

  • لقد قررنا في الأبحاث السابقة على أن نكسب رؤية دقيقة عن الحياة وقواعدها قبل أن نكسبها عن العبادة والعبودية.  فنحن بحاجة إلى كسب رؤية دقيقة وواضحة عن الدنيا قبل الدين. فإن حصلنا عليها سوف ننظر إلى الدين كمنقذ لا كمزعج ومزاحم. وعند ذلك سوف لا نمنّ على الله بالتزامنا ولا نغترّ عندئذ بورعنا وتقوانا، كما سوف لا نفرّ من الدين وسوف نشعر بحماقة مخالفته.

  • لماذا عندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن الكفار في القرآن، يعتبرهم «سفهاء» «لا يعقلون»؟ نحن نعرف جيدا أن ليس لهؤلاء الكفار طهارة القلب، ونعرف أن لا إيمان لهم، ولكن بماذا أصبحوا لا يعقلون؟ وما هي الحقيقة التي لا يعقلونها؟ بالتأكيد إنّ إحدى الحقائق التي لا يعقلونها ولا يلتفتون إليها هي هذا الواقع والقواعد المحيطة بهم في هذه الدنيا.

  • كلما ألفيتم روحكم تفرّ من الأحكام الإلهية وتستصعبها، ارجعوا إلى الواقع وادرسوه بغض النظر عن الدّين. إذ إنّ إدراك الواقع وكشف القوانين السائدة في عالم الوجود، ومعرفة السنن الإلهيّة الحاكمة على حياتنا، يمهّدنا لقبول الدين والالتزام به. واسمحوا لي أن أضيف هنا نقطة واحدة. من السيء جدا أن يكون الإنسان متدينا بلا أن يدرك الواقع، فمثل هذا الإنسان يصبح متدينا سيّئاً. ولا أقول أنّ معرفة الواقع أمر ضروري على من استصعب أحكام الدين وحسب، كلا، بل على جميع الناس أن ينظروا إلى الواقع ويكتشفوا قواعده السائدة في الحياة. كما أنّ أولياء الله هم أكثر اهتماما بهذا الأمر من عوام الناس. 

  • وأساسا إنْ تديّن امرء بلا أن يكون على معرفة بحقائق العالم وواقعه، قد يصبح عنصرا خطرا، وقد يصبح تديّنه الأعمى هذا ضررا على نفسه وعلى المجتمع، وسوف لا يقدر أحد على إصلاح ما أفسده. لقد رأيت في عمري هذا على الأقل جيلين من الأشخاص الذين كانوا أخيارا في زمن من الأزمان ثم ساءت عاقبتهم. كان بعضهم ممن عاشرتهم عن قرب وحتى كان بعضهم في جبهة الدفاع المقدّس. وهذا يحكي عن أنّ من أصبح خيّرا ومتديّنا بدون أن يعرف الواقع الذي يفرض عليه ذلك، ينحرف على الأكثر.

  • فلا تستغربوا من انحراف بعض هؤلاء الذين قضوا عمرهم في الصلاح وصلاة الليل والعبادة. ولا تتعجبوا من كون هذا الإنسان كان يريد أن يسبق الآخرين في التضحية بنفسه في سبيل الإسلام والولاية والثورة، أما الآن فقد أصبح من ألدّ أعداء الثورة. من هم أولئك الذين يتورطون بمثل هذه العواقب؟ هم أولئك الذين صلحوا وتدينوا جزافا. ولكن لا يسمح الله باستمرار هذا النمط من الصلاح. فما إن يرى الله مجتمعا قد صلح جزافا واعتباطا، يمتحنهم بامتحان عسير ويسقط من لم يرتكز إيمانه على دعائم محكمة. وقد شاهدنا هذه الظاهرة في تاريخ الإسلام كما رأيناها في مختلف مراحل تاريخ ثورتنا الإسلامية.

إن عالمنا مشحون بالمعاناة وقد عزم على إزعاجنا

  • من أين ننطلق في حركتنا؟ إن نقطة الانطلاق هي أن تشاهد ضرورة مخالفة هواك في هويتك الإنسانية وكذلك تشاهدها في السنن الحاكمة في حياتك. هذا هو المنطلق.

  • لا ينبغي لمثلكم أن يخدع بالكلام الباطل، خاصة وقد بلغتكم تجربة تاريخ الإسلام في ألف وأربعمئة سنة، وقد بلغتكم تجربة العالم البشري من بداية التاريخ ولحد الآن، كما في متناولكم تجربة الغرب، وبإمكانكم أن تتصفحوا أحداث العالم وتقفوا على تجاربه عبر الإنترنت. إن موقعنا ليس في أول التاريخ بل قد اقتربنا إلى نهاية التاريخ، فها هي تجربة البشر أمامنا تحدثنا عما وصل إليه العالم، وهي تجارب مليئة بالمعلومات، فلا يمكن لأحد أن يخدعكم بسهولة.

  • هذه هي نقطة الانطلاق، وهي أن تعرف عالمك الذي تعيش فيه. وأهمّ خصائص هذا العالم هو أنه مشحون بالمعاناة وقد عزم على إزعاجك. فلا تسمح لأحد أن يلهيك بمعلومات هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع، من قبيل مقدار المياه وعمق البحار وارتفاع الجبال وعدد النفوس. فلا تشغل وقتك في تعلّم المعلومات التي لا فائدة لها، فإن أحد أوصاف المتقين في قول أمير المؤمنين(ع) هي أنهم: «وَقَفوا اَسماعَهُم عَلَی العِلمِ النَّافِعِ لَهُم»[نهج البلاغة/الخطبة193]. وأنا باعتقادي أن الإنسان ليس بحاجة إلى كثرة المعلومات، بل يحتاج إلى معلومات صائبة، بالإضافة إلى ترتيب المعلومات وتبويبها بشكل دقيق وأن يميّز بين الأصلية والفرعيّة منها.

  • لقد جاء الدين ليعلمك طريقة العناء، وجاء ليخفف مرارة الفقدان عليك. جاء الدين ليعلمك الكفّ عن الرغائب وجاء ليعلمك أسلوب تحمل الآلام. فهل أنت ممن يريد أن لا يتحمل شيئا من هذه الصعاب في هذه الدنيا لكونك متدينا؟! هذه هي نقطة عزيمتنا، فإن انطلقنا من هذه النقطة، سوف نصل إلى النتيجة بسرعة، وكذلك سوف نعمل بديننا بشكل أسهل، كما سوف يصان ديننا بشكل أضبط، وإن شاء الله لن نتراجع عن ديننا إن سلكناه بهذا الأسلوب، إذ نكون على معرفة بكل ما سوف نواجهه في هذا الدرب فلا نفاجأ بشيء.

إن الدين برنامج للتضحية بالنفس والنفيس

  • يروي الإمام الصادق(ع): «أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ (ص) فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُكَ أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَقْتُلَ‏ أَبَاك‏. فَقَبَضَ الرَّجُلُ يَدَهُ فَانْصَرَفَ ثُمَّ عَادَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ عَلَى أَنْ أُبَايِعَكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ عَلَى أَنْ تَقْتُلَ‏ أَبَاكَ‏ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّا وَ اللَّهِ لَا نَأْمُرُكُمْ بِقَتْلِ آبَائِكُمْ وَ لَكِنْ الْآنَ عَلِمْتُ مِنْكَ حَقِيقَةَ الْإِيمَان...»[المحاسن/ج1/ص248]. ذات مرة قرأت هذه الرواية في إحدى المحاضرات، فأوشك أحد الشخصيات أن يصدر حكم إعدامي بسبب قراءتها، إذ كان يرى أن هذه الرواية تنفّر الناس من الدين. ولعله كان يتصوّر أنّ باقي محاضراتي جيّدة وإنما كانت هذه الرواية فلتة في محاضراتي، فلو كان يعرف أن كل محاضراتي من هذا القبيل، لما تعلّل في إصدار حكم الإعدام [قالها ممازحا]، لأنني عمّمت هذه الرواية على كل الناس، وأقول إن كل من أراد أن يسلك هذا الدرب لابدّ أن يتحمل العناء والكبد والشدائد والمحن. طبعا بعد ذلك أقول: فإن فررت من هذا الطريق خوفا من شدائده ومحنه، سوف تلاقي أمرّ من ذلك في الطرق الأخرى. هذا هو أسلوبنا في المحاضرات، إذ أردنا أن نكون صادقين مع الناس، وقد تعلمنا هذا الأسلوب من أمير المؤمنين(ع) حيث كان صادقا مع ابنه.

  • لماذا أراد النبي(ص) أن يبايع الرجل على أن يقتل أباه مع أنه لن يأمره به أبدا؟! لأنّ الدين هو برنامج للتضحية بالنفس والنفيس. فإن التضحية بالنفس، ليست فضيلة إلى جانب باقي الفضائل، بل هي المحور والمخ. نحن إن شاء الله سوف نتطرق في الجلسات القادمة إلى نطاق أهواء النفس وأنواع تجلياتها بإذنه وحوله وقوته.

الدين برنامج لمخالفة الأهواء والدنيا أيضا مبرمجة على أساس مخالفة الأهواء

  • إن نقطة انطلاقك هي أن تعرف السبب الذي خلقت من أجله. فقد خلقت للعناء والمحن وتحمل الأذى والألم. فالبهائم لا تتألم وكذلك الملائكة لا تتألم، أما أنت فقد حظيت برغائب متضاربة وهذا ما شرحناه في الليالي السابقة وقلنا إنك مجبور على ترك بعض الرغائب من أجل بعض أخر.

  • ثم يأتي الدين ويقول لك أن دع رغباتك واسع لنيل رغباتك الخفيّة والعميقة. ولا شك في أن هذا العبور صعب، إذن الدين صعب. لقد قال أمير المؤمنين(ع): «وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي كُرْهٍ وَ مَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي شَهْوَة»[نهج البلاغة/ خ176]. فهل قد أرحتُ بالك أم لا؟ هذه معلومة لابد أن نجعلها نصب أعيننا وهي أن الدين برنامج لمخالفة الأهواء.

  • طبعا لا يخلو الدين من لذائذ وليست مرارته بقدر مرارة كلامي، ولكن الكلام المعسول الذي يصوّر أجواء درب الحق كلها أجواء جمال وراحة واستقرار وأزهار وبلابل وعصافير فهذا كلام فارغ لا صحّة له. بل ليس الدين برنامجا لمخالفة الأهواء فحسب، بل باعتبار أن أنسانيتك مرهونة بمخالفة الأهواء، فقد انطوت الدنيا أيضا على هذا البرنامج. فهي تفرض عليك المعاناة ومخالفة الأهواء بأشكال ثابتة ومتغيرة.

  • من أشكالها الثابتة هو الشيخوخة. ومن أشكالها الثابتة الأخرى هو فقد الحبيب، كما قال أمير المؤمنين(ع): «الْهِجْرَانُ‏ عُقُوبَةُ الْعِشْق»[بحار الأنوار/ ج75/ ص11]. لا أدري هل أقول هذه الحقائق بصراحة، أو أراعي مشاعركم وقلوبكم، ولكنها حقائق نعيشها في حياتنا الدنيوية، فلابد أن نطلع عليها، بل لابدّ أن ننطلق منها في حركتنا الدينية. وهي أن كل ما تعشقه في هذه الدنيا، فلابد لك من مفارقته يوما، وإن الله يفرق بينك وبين أحبائك في هذه الدنيا.

  • كان لي صديق قبل سنين، ثم انقطعت عنه ولم أعرف أخباره. بعد فترة قال لي أحد الإخوة: «هل سمعت أن فلان قد توفيت زوجته؟» فسألته هل كان يعشقها كثيرا؟ قال: من أين عرفت ذلك؟ قلت: إن هذا العشق هو أحد أسباب الفقد والفراق في هذه الدنيا؛ إذ «الْهِجْرَانُ‏ عُقُوبَةُ الْعِشْق»، هذه هي إحدى مرارات الحياة الدنيا وهي سنّة من سنن الله. فإذا أردت أن تكون حياتك الزوجية في غاية العشق والغرام، فقل من الذي تريد أن يموت أسرع؛ زوجتك أم أنت؟! لعلك تقول: شيخنا كلامك مرّ جدا. أقول: أخي كلامي جادّ ومستوحى من قواعد هذه الدنيا، فلا تخدعك أكاذيب الأفلام. بل هذا هو الواقع. طبعا لا أريد أن أقول أنه قانون شامل، لا استثناء له، ولكنه يمثل إحدى القواعد التي لابد أن تؤخذ بعين الاعتبار في معرفة هذه الدنيا.

  • أعرف أسرة، كان أهلها حساسين جدا في اختيار الزوج لبنتهم، إذ كانوا يريدون نسيبا بمستوى تدينهم وبمستوى مكنتهم الاقتصادية العالية، وبمستوى إناقتهم العالية، وأن يكون جميلا بمستوى جمالهم، وأن يكون مثقفا جدا يليق بثقافتهم العالية، وأن يكون ألفا وباء وجيما ودالا وكذا وكذا. ولهذا كانوا يرفضون الخطّابة واحدا بعد الآخر. بعد فترة، قالوا: الحمد لله، لقد جاءنا خطيب ينسجم معنا في كل شيء؛ في إناقته، في غناه وثروته، في جماله، في تدينه وبكلمة واحدة «كامل مواصفات». يشهد الله أني خفت عليهم. وسرعان ما أنجبوا طفلا وإذا به كان مشلولا.

  • هذا هو واقع حياتنا جميعا. ولا يمكن أن يكون هذا الكلام كذبا، بل هو عين الواقع. طبعا هناك نماذج واضحة جدّا من هذه الابتلاءات فنستشهد بها في أبحاثنا، وإلا فالكل محكومون بهذه السنن. وإذا تمعّن الإنسان الفطن في حياته يستطيع أن يكشف هذه القواعد.

المؤمن مبتلى في الدنيا بشكل خاص

  • هناك آية في القرآن تقول: (وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُون‏)[الزخرف/33] يعني لو لا مخافة أن يكفر الناس جميعا ولا يبقى منهم مؤمن، لجعلنا حياة الكافرين حياة فخمة جدا. ولكن خفّف الله علينا وغيّر قانون العالم وجعل الكبد والمعاناة لكل الناس دون أن يختص به المؤمنين دون الكافرين.

  • وفي هذا المجال هناك رواية عن الإمام الصادق(ع) يقول: «لَوْ لَا إِلْحَاحُ هَذِهِ الشِّيعَةِ عَلَى اللَّهِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ لَنَقَلَهُمْ مِنَ الْحَالِ الَّتِي هُمْ فِيهَا إِلَى‏ مَا هُوَ أَضْيَقُ‏ مِنْهَا»[الكافي/ج2/ص264]. وقد روي «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ فَقَالَ اسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ فَقَالَ اسْتَعِدَّ لِلْبَلَاء»[مجموعة ورام/ج1/ص223] ويقول أحد الرواة سألت الإمام الصادق(ع): «أَ يُبْتَلَى‏ الْمُؤْمِنُ‏ بِالْجُذَامِ وَ الْبَرَصِ وَ أَشْبَاهِ هَذَا؟ قَالَ:وَ هَلْ كُتِبَ الْبَلَاءُ إِلَّا عَلَى الْمُؤْمِنِ»[الكافي/ج2/ص258] يبدو أنّ هؤلاء الرواة كانوا يعانون من نفس مشكلتنا، فلعلهم لم ينظروا إلى الدنيا برؤية صائبة ولم يرونها كدار مخالف لأهوائنا. إن مجمل هذه الروايات تفرض على الإنسان المؤمن أن ينظّم حياته على أساس مخالفة الهوى.

  • واسمحوا لي أن أنقل لكم هذه الرواية أيضا عن رسول الله(ص): «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ لَيَطْلُبُ‏ الْإِمَارَةَ وَ التِّجَارَةَ» یعني يطلب شأنا من شؤون الدنيا ويطمح إليه «حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ يَهْوَى» یعني يبرمج ويخطط ويعمل ويشتغل حتى إذا اقترب إلى هدفه «بَعَثَ اللَّهُ مَلَكاً وَ قَالَ لَهُ عُقْ عَبْدِي وَ صُدَّهُ عَنْ أَمْرٍ لَوِ اسْتَمْكَنَ مِنْهُ أَدْخَلَهُ النَّارَ» إذ كان هذا المؤمن يخطط لشيء بضرره «فَيُقْبِلُ الْمَلَكُ فَيَصُدُّهُ بِلُطْفِ اللَّهِ» يأتي الملك ويخرب شغله واللطيف أن هذا التخريب جاء بلطف الله. «فَيُصْبِحُ وَ هُوَ يَقُولُ لَقَدْ دُهِيتُ وَ مَنْ دَهَانِي فَعَلَ‏ اللَّهُ بِهِ...» [التمحيص/ص56] فيبدأ بالبحث عن المقصّر.

لا تلهِ نفسك بالبحث عن المقصّر

  • إحدى مشاكلنا الناشئة من رؤيتنا الخاطئة عن الحياة هي أن بمجرد أن واجهنا مشكلة في حياتنا، نفتّش عن المقصّر. نعم في المسائل الاجتماعية والقضايا العامّة المرتبطة بكيان الأمة مثلا، لابدّ أن نبحث عن المقصّر أو العدو ومن هنا نرفع شعار «الموت لأمريكا» و لهذا السبب طال ما هتفنا «الموت لصدّام». ولكن حتى في هذه القضايا الاجتماعيّة لابدّ أن ننظر إلى ما وراء هذه الظواهر، كما قال الإمام الخميني(ره): كانت الحرب (يقصد الحرب المفروضة الذي شنّها صدام على الجمهورية الإسلامية) من الألطاف الإلهية الخفية. إذ يعتبر أولياء الله أن البلاء من ألطاف الله على عبده المؤمن كما قالت الرواية: «فَيَصُدُّهُ بِلُطْفِ اللَّهِ». أمّا العدو فهو مسكين شقيّ جنى على نفسه قبل أن يجني علينا، فنحاربه ونقتله، ولكن لا ننسَ الألطاف الإلهية في خضمّ هذه البلايا.

  • طبعا نحن مازلنا في مقدمات البحث ولم نتقدم فيه إلى الآن، فليس بوسعنا أن نستنتج دروسا كثيرة من هذه الأبحاث ولكن بقدر هذا الشيء القليل الذي طرحناه في هذه الليالي، نستطيع أن نخرج بنتيجتين جميلتين في هذه الجلسة.

  • إحداهما هي أن لا تبحثوا عن المقصّر والخاطئ كثيرا. فإن المقصّرين ليسوا مقصّرين كثيرا. فقد صنفتهم الروايات وليس كل المقصرين في درجة واحدة. فعلى سبيل المثال قلّ ما يوجد مدير لا يظلمه من تحته. فكن على ثقة من هذه القاعدة ولا تغضب وتقيم الدنيا ولا تقعدها بسبب سوء تصرف موظفيك وأغلاطهم في العمل. لا تصرخ عليهم فإنها من سنن الله. فإن الله هو الذي ينسيهم في بعض القضايا ليمتحن مدى صبرك وحلمك.

  • لا أريد أن أخوفكم ولا تصفرّ وجوهكم من ذكر هذه القواعد ولكن اعلموا أنه تقريبا، لا يمكن أن تلطف بأحد ثم ترى اللطف والمحبّة منه نفسه. يقول الإمام الصادق(ع): «مَا أَفْلَتَ‏ الْمُؤْمِنُ‏ مِنْ‏ وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ‏ وَ لَرُبَّمَا اجْتَمَعَتِ الثَّلَاثُ عَلَيْهِ إِمَّا بُغْضُ مَنْ يَكُونُ مَعَهُ فِي الدَّارِ يُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابَهُ‏ يُؤْذِيهِ أَوْ جَارٌ يُؤْذِيهِ أَوْ مَنْ فِي طَرِيقِهِ إِلَى حَوَائِجِهِ يُؤْذِيهِ وَ لَوْ أَنَّ مُؤْمِناً عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ لَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ شَيْطَاناً يُؤْذِيهِ وَ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لَا يَسْتَوْحِشُ مَعَهُ إِلَى أَحَد».[الكافي/ج2/ص249] وقال عليه السلام: «أَرْبَعٌ لَا يَخْلُو مِنْهُنَّ الْمُؤْمِنُ أَوْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مُؤْمِنٌ يَحْسُدُهُ وَ هُوَ أَشَدُّهُنَّ عَلَيْهِ وَ مُنَافِقٌ يَقْفُو أَثَرَهُ أَوْ عَدُوٌّ يُجَاهِدُهُ أَوْ شَيْطَانٌ يُغْوِيهِ».[الكافي/ج2/ص250].

  • ترى بعض الناس قد استشاط غضبا وانتفخت أوداجه. فتسأله ما الخبر. يقول: ما كنت أتوقع أن فلانا يفتن بي حسدا. فلعلّ هذا الإنسان يريد أن نرميه بطلقة لنسرع به إلى الجنة، إذ يبدو أنه لا يطيق قواعد هذه الدنيا.

  • هيا تسلحوا أيها الإخوة بسلاح الدعاء. اللهم! أزل من قلوبنا الحقد على من ظلمنا وآذانا. لا أدري كم أدركتم معنى هذا الدعاء. فلأترجمه بعبارات أخرى. إللهم! لا تجعلنا مدللين. اللهم لا تجعلنا منقنقين. اللهم لا تجعلنا من أهل الضجر والسأم والجزع والتحجج. فكلها هي عبارات أخرى لدعاء اللهم أزل من قلوبنا الحقد.

  • وهناك ترجمة عرفانية لهذا الدعاء ولا بأس أن ندعو بها، إذ نحن في ليالي شهر رمضان، فمن الأولى أن نقلل من الكلام ونكثر من الدعاء. فنقول: اللهم! أنت عظيم فاجعلنا عظاما مثلك. اللهم! أنت كريم فاجعلنا كراما مثلك. اللهم! أنت أكبر من كل شيء وأكبر من أن توصف وهذا هو أهمّ ما توصف به وعليّ أن أكرره في صلاتي بعد أذكاري وحركاتي وسكناتي. فعند لقائي بك لابدّ أن يكون تناسب بيننا وبينك، فاجعلنا كبارا يا ربّنا. وأنقذنا من الطفولة والصغر.

إن إدراك ضرورة المحن والعناء في هذا العالم يسهّل على الإنسان اختيار الدين

  • لأذكر لكم فائدة أخرى من هذا البحث والتي نستطيع أن نستخرجها الآن. اسمعوا هذه الرواية لتجدوا كم كان الحديث في الليالي السابقة دقيقا وصائبا. لقد شكرني بعض الإخوة في هذه الليالي السابقة، بطريقة وكأنهم لم يسمعوا بهذه المعارف من أحد أبدا. ولكني أريد أن أبيّن لكم أيها الإخوة أن هذا الكلام ليس من ذوقي وفنّي، بل هو ما تصارحنا به روايات أهل البيت(ع). قال الإمام موسى بن جعفر(ع) لهشام: «يَا هِشَامُ إِنَ‏ الْعَاقِلَ‏ نَظَرَ إِلَى‏ الدُّنْيَا وَ إِلَى أَهْلِهَا فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ وَ نَظَرَ إِلَى الْآخِرَةِ فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ فَطَلَبَ بِالْمَشَقَّةِ أَبْقَاهُمَا»[الكافي/ج1/ص18]. أفهل يسمح الله لأحد أن تخلو حياته من الصعوبات؟! أرجو أن تدققوا في هذه الحقيقة كثيرا.

  • إحدى الخيانات التي تمارسها الأفلام الغربية تجاه الناس، هي أن تظهر المجتمع الغربي أكثر سعادة من غيره، لنتصور أن سعادته في هذه الدنيا جاءت من ابتعاده عن الدين. أفهل يمكن أن يسعد الإنسان بالابتعاد عن الدين، وهل يمكن أن تخلو الحياة البعيدة عن الدين عن جهاد النفس والمشاكل والمعاناة؟!

  • ذات يوم كنت في كندا وكان أحد الأصدقاء يعرّفني على القنوات التلفزيونية في كندا. ففي تلك الأثناء قال لي: إن المجتمع الغربي قد حلّ الكثير من هذه المشاكل والقيود التي تعتقدون بها أنتم في علاقة المرأة والرجل. قلت: كيف يمكن ذلك؟ فهل انتفت كل المشاكل بحرية علاقة الرجل والمرأة؟! قال: نعم بالتأكيد فلم تبق مشكلة في هذا المجال، أنتم قد عقدتم القضية بمجموعة من الأوامر والنواهي، أما هنا فالكل مرتاحون ولا مشكلة بعد في هذا المجال. أثناء ما كان يتكلم بهذا الكلام، رأيت في الفيلم فتاة صفعت وجه شاب. فسألته لماذا صفعت الفتاة وجه هذا الولد؟ أنا سألته عن القصة، وإلا فما رأيته كان فيلما وطال ما كذب الغربيون في أفلامهم وقصصهم وصوروا مجتمعهم في قمة السعادة والجمال. فنظر إلى الفيلم وقال: يبدو أن هذين صديقان، ولكن الفتاة قد رأت صديقها مع فتاة أخرى فصفعت وجهه. فقلت له: أما قلت لي الآن أن مشاكل علاقة الرجل والمرأة محلولة هنا؟! فقال: لا، لم تنحلّ إلى هذا المستوى. فرجع إلى نفسه سائلا لماذا قلتُ أن هذه القضايا محلولة في هذا البلد؟!

  • كان ينظر بأم عينه المشاكل والخلافات والنزاعات والجرائم في المجتمع الغربي، ولكن مع ذلك يشعر بأن المجتمع قد حلّ الملف الجنسي والعلاقة بين الرجل والمرأة! فانظروا كم كانت هذه الإلقاءات السامّة والكاذبة والخادعة قويّة.

  • بعد أن وعى الإنسان فلسفة هذه الدنيا وهي الكبد والعناء وأدرك ضرورة تحمله العناء، سوف يسهل عليه تحمل العناء ويختار الدين بسهولة. وهذا ما سوف يفرضه عليه عقله.

إن لم تجاهد نفسك فسوف تجاهدك نفسك

  • قال أمير المؤمنين(ع): «مَنْ‏ سَامَحَ‏ نَفْسَهُ‏ فِيمَا تُحِبُّ أَتْعَبَتْهُ فِيمَا يَكْرَه»[غرر الحكم/ص637]‏ فهذا الذي لبّى رغبات نفسه وأعطاها ما ترغب، سوف تنغّص حياتَه نفسُه. هذه النفس التي أعطيتها زمام أمرك وخدمتها وأطعتها في ما أمرت، يأتي يوم وإذا بها تدوس في حلقومك وتخنقك.

  • لا أدري هل يمكن أن أتطرق لهذا الموضوع أم لا. وهو أنه في ما إذا لم يجاهد الإنسان نفسه في شبابه، ماذا يلاقي من معاناة ومسكنة في كبره! فهذا ما يصعب علي أن أصرح به. إن نفسه سوف تتعبه وتقتله. شأنها شأن الجسم، فإنك إن أرحت جسمك ولم تتعبه، سوف تصاب بأمراض ولابد لك حينئذ أن تتحمل عناء المرض والنوم في المستشفى.

  • إن لم تتريض ولم تتعب جسمك، فعندئذ لا تشعر بالراحة إلا إذا جلست على قنفة فخمة وراقية جدا، أما إذا أتعبت جسمك بالرياضة، بعد ذلك حتى لو جلست على صخرة صلبة تشعر بالراحة والانتعاش. الرياضة تتعب الجسم ولكنها تريحه في الواقع. وكذلك إن تتعب نفسك وتجاهدها ففي الواقع تريحها. هذه هي النتائج الفورية لهذه الأبحاث. ولكن أمامنا طريق طويل، فلم نصل في أبحاثنا إلى الله وعبادة الله بعد.

إن إدراك هذه الحقائق تجعل الإنسان شاكرا لله

  • واحدة أخرى من فوائد هذا البحث ـ وهي من الفوائد والنتائج الفرعية طبعا ـ هي أنك إذا صدّقت بهذه الحقيقة وعرفت أن الدنيا محل لإزعاجك وقد صمّمت أحداثها ضد نفسك وأهوائها، وحتى إن فلتّ من هذه الأحداث واستطعت أن ترتب حياتك كما تحب وتهوى يبعث الله إليك ملكا ليخرّب مخططاتك، وأنا قرأت لك الرواية بنصّها حتى لا تتصور أني أبالغ على المنبر، فإن عرفت الحياة الدنيا وقواعدها وسننها جيدا، تصبح شاكرا لله، وسوف تخاطب الله عندئذ وتقول له: إلهي ما أرحمك، إذ كان المفترض أن تزعجنا وتؤلمنا في هذه الدنيا وتبلونا بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ولكنك قد رحمتنا ولطفت بنا ولم تنزل علينا المصائب والنوازل كثيرا.

  • فإنك إن شعرت بهذا الشعور وناجيت ربك بمثل هذه الكلمات، ففي الواقع قد عرفت معنى الشكر. لعلك تسمع عبارة «شكرا لله» كثيرا من الناس، ولكن الله يقول: (وَ قَليلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُور)[السبأ/13].

  • اسمحوا لي أن أشرح لكم معنى الشكر جيدا. فلا تسمحوا لأنفسكم أن تكونوا بسطاء وتشكروا الله ببساطة وبدون تعمق. ما معنى شكرا لله؟ ولماذا تقول: إلهي شكرا لك؟ هل لأنه أنقذك من مرضك؟ طيب، من الذي أمرضك أساسا؟ اذهب وعاتب ربك وقل له لماذا أزعجتني وأنزلت عليّ المصائب؟ هل هديتني إلى طبيب جيّد فداواني؟ فلماذا أمرضتني أساسا؟ وهل قد هديتني إلى قاض جيد ليحكم بيني وبين خصمي؟ لماذا سمحت أن يتنازع الناس بينهم أساسا؟!

  • أتدرك ماذا أقول أخي العزيز؟! فإنك إن لم تدرك فلسفة الحياة وهي العناء وإن لم تع فلسفة وجودك وهو الكبد، عند ذلك كلما أعطاك الله ورزقك من نعم، لا تزال تشعر بأنك تطلب الله. إذ تقول: هو الذي خلقني فكان لابدّ له أن ينعم علي وإلا لمتّ من الجوع! عند ذلك كلما يقال لك اشكر ربك تقول: لماذا أشكره؟ لماذا أفقرني؟ ولماذا أمرضني؟ ولماذا أوقعني في مشاكل؟

  • إن لم تدرك فلسفة حياتك وهويتك لا تستطيع أن تشكر الله أبدا. فإن أراحك ونفّس عليك في خضمّ محن الدنيا وآلامها، تعتبرها لا شيء، ثم ينصرف ذهنك عنها إلى مشاكل حياتك وآلامك ومعاناتك. فهل يبقى لك حينئذ شيء باسم الأخلاق؟ وهل يمكن أن يتحدث معك أحد عن الله وشكر الله؟! وهل سوف تعبد الله وهذه رؤيتك عن الدنيا وأحداثها؟ وهل سوف تفهم لقاء الله حتى تشتاق إليه؟ وأساسا هل يبقى لك إمكان لإدراك المعارف المعنوية؟

  • لابدّ للإنسان أساسا أن يعيش حالة الشكر بكل وجوده. قال لي بعض الإخوة: إنك قد صعّبت الحياة في أبحاثك هذه، ولكن نحن لا نجد هذه المعاناة في حياتنا، فأقول له: إذن اشكر الله على هذه النعمة. وإذا سامحني أقول له كلمة جارحة وهي: «لم يجد الله فيك القابلية على تحمل البلاء والعناء فخفّفَ عليك، وإلا فلو كنت إنسانا راقيا ممتازا لما سمح الله لك أن تمضي حياتك بسلامات». وقد سبق أن قد قرأت عليكم في خصائص عباد الله الصالحين حيث يصفهم الله في حديث المعراج قائلا: «يَمُوتُ‏ النَّاسُ مَرَّةً وَ يَمُوتُ أَحَدُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ‏ مَرَّةً مِنْ مُجَاهَدَةِ أَنْفُسِهِمْ وَ مُخَالَفَةِ هَوَاهُم»[بحار الأنوار/ج74/ص24]. فإن عرفت معنى الحياة الدنيا ودورها في فرض المعاناة على الإنسان، عند ذلك تشعر كم قد لطف بك الله وتفضّل عليك.

  • هل رأيت الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة حيث لا يستطيع أن يترك شكر الله؟ يبكي ويشكر ويصب الدموع ويشكر حتى أنه في آخر لحظات عمره وفي حفرة المذبح كان يعبّر عن شكره ورضاه قائلا «رضا بقضائك».

وصف حال مناجاة غير الشاكرين

  • لعلك تقول لي شيخنا فلنقيم جلسة دعاء ومناجاة. جيد جدا، ولكن نقيم الجلسة لمن؟ في البداية اذهب وابحث عن أناس شاكرين، وابحث عن من يشعر بالخجل من الله والذي لا يستطيع أن يمتلك نفسه من البكاء شكرا لله. وإلا فما الفائدة من المناجاة إن لم تكن بهذا الدافع ولم يصحبها هذا الشعور؟

  • إن بعض مناجاتنا أشبه شيء بتسليم طلباتنا لله سبحانه. فلسان حالنا عند الدعاء والمناجاة يقول: ربنا! يبدو أن حدث خطأ في تعاملك معنا، إذ لم تنظر إلينا في فلان قضية، وتركتنا وحدنا في فلان موقف، وفرضت علينا بعض الصعوبات في فلان حادث، ونغّصت عيشنا في ذلك اليوم. فكيف نتعامل معك يا إلهنا وماذا نقول لك؟ وإلى أين نفرّ منك؟ فقد كسرت قلوبنا وأنزلت دموعنا، فانظر كيف قد أبكيتنا! فحلّ مشكلتنا بعد ما بكينا أمامك وإلا فلن نأتيك بعد. فمثل هذا الكلام لا قيمة له، إذ ليس بمناجاة بل عتاب کما جاء في بعض أدعية المعصومين «فَإِنْ أَبْطَأَ عَنِّي عَتَبْتُ بِجَهْلِي‏ عَلَيْكَ وَ لَعَلَّ الَّذِي أَبْطَأَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُور»[دعاء الافتتاح]

  • وما أكثر هؤلاء الذين إن خلوا بربّهم لا يناجونه بل يعاتبونه، فلا تنظر إلی ظاهرهم إذ لا حول لهم على الله ولا تصل يدهم إلى الله، وإلا فقلوبهم قد ملئت عتابا.

  • من الشاكر؟ هو الذي جاء إلى الدنيا ليغرق في بلاياها ومحنها، وسلّم إلى هذه السنّة ووطن نفسه على تحمل الآلام والمصائب، ثم ينظر إلى حياته وإلى النعم التي أنعمها الله عليه وإلى ما نفّس الله عليه بالنعم ورفع المحن وتخفيف المصائب، فيشكر الله ويحمده.

ثلاثة أحزان سلبية يصاب بها الإنسان، لابد أن يجتنب عنها

  • عندما ينزل الله عليك نعمة من نعمه، يحب أن تتمتع وتهنأ بها، إذ أنت تحتاجها و هي من رزقك. يحب الله أن ترتاح في حياتك وتتمتع بنعمك. ويعزّ على الله أن ينزل علينا الصعاب والبلايا بلا مهلة واستراحة وتنفيس. (فإنَّ مَع العُسرِ یُسراً * إنَّ مع العُسر یُسراً) [الانشراح/5، 6] فمع كل محنة وعسر، يأتيك بيسر، فعندما ينعم الله عليك بنعمة لا تحزن على ماضيك وما فات، ولا تقلق على المستقبل، بل كن سعيدا بما أنعم الله عليك.

  • اترك الماضي، فكان لابدّ أن تأتيك بلاياه وقد مرت وذهبت مصائبه بحمد الله. وكذلك سوف تأتيك بلايا المستقبل قطعا مهما قلقت منها فاخضع لهذا القانون ولا تقلق ولا تشغل فكرك بما جرى وما سيجري بل اشعر بالسعادة واغتبط بما رزقك الله واشكره. فهل من الصواب أن تحزن في أيام رفاهك ونعمتك؟!

  • الإنسان يحزن بثلاثة أنواع من الحزن:

  • الأول: يحزن على أحزانه الماضية والفائتة. أريد هنا أن أدعو بدعاء ولكن أجدكم غير متسلحين إذ لا ترفعون إيديكم. فقد روي عن نبينا(ص): «إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين»[نهج الفصاحة/ص294]. طبعا لا أريد أن أجبركم على رفع يديكم، ولكني محتاج إلى دعائكم وأرى أن عدد المؤمنين الحاضرين هنا في هذا المسجد أكثر من الأربعين، فإذا رفعوا أيديهم يستجاب الدعاء إن شاء الله، وسوف أحصل أنا المسكين شيئا من دعائكم.

  • اللهم لا تجعلنا ممن يحزن على مشاكله وبلاياه. وبودّي أن أكرر دعاءنا السابق لأهميته. اللهم لا تجعلنا ممن يحقد على من ظلمه وآذاه.

  • الثاني: يحزن على أحزانه المستقبليّة والقادمة. أيها الإنسان المسكين المخدوع بإبليس! لقد رزقك الله نعما فقد حان وقت ارتياحك والشعور بالسعادة الآن ولكنّك تبدّل الشعور بالراحة إلى القلق من المستقبل. إللهم أخرج من قلوبنا الحزن والقلق على المستقبل.

  • الثالث: هذا الإنسان المسكين إما يحزن على ما فات، وإما يحزن على ما سيأتي، وإما يحزن على الحاضر. يعني يحصل على نعمة من الله، ولكن يقايس بينه وبين الغير وهذا ما يسمّى بالحسد. وهذا النوع من الحزن أمرّ وأتعس من النوعين السابقين.

  • خذ حصّتك وتنعّم بها ولا تقارن بينك وبين غيرك. فكن برزقك وقسمك «راضیا قانعا وفي جميع الأحوال متواضعا». فلو كان الله أراد أن يكلمنا لقال: أنا لم أفرض عليك هذه الأحزان الثلاثة. أنا قلت إني سأبليك بمصائب ومحن ولكن لا بهذه الآلام التعيسة والسخيفة، فلماذا أنت تصعّب على نفسك الحياة أكثر من صعوبتها الحقيقية؟! أنا قلت لأبلوك بمختلف البلايا والبأساء والضراء ولكن كل هذه المعاناة لا تخلو من الحلاوة والجمال، فلماذا تسلب جمالها وتزيدها مرارة؟ أنا قد حرقت قنفات بيتك فقط، فلماذا تصبّ البنزين على بيتك وتحرق البيت برمته؟! أنا قلت: سأفرض عليك بعض العسر، ولكن سأجعل مع كل عسر يسرا، فلماذا تخرب اليسر والنعم التي أنعمتها عليك؟ فكلما امتحنتك بمحنة وبلاء استقبله بصبر جميل، وكلما أنعمت عليك نعمة فاشعر بالسعادة. ثم اشكرني على النعم التي رزقتها بحيث تنسى الآلام والمحن وتغفل عنها.

كيف نكون كذلك؟

  • إللهم نحن نتكلم ونتحدث بهذه المعارف، فاجعلنا هكذا واجعل حياتنا هكذا. ماذا نفعل وما هو الطريق، إذ لا يصبح الإنسان هكذا بالكلام وحسب.

  • لابدّ أن نعاشر الأخيار والأبرار ونعاشر الصالحين ونعاشر أهل البيت(ع). يجب أن نكثر من الذهاب إلى جلسات ذكر مصائب أهل البيت(ع) وننادي الحسين كثيرا وننادي عليا كثيرا. إن وجود هذه العترة الطاهرة نور وله تأثير قوي جدا يترك أثره علينا من مسافة ألف وأربعمئة سنة. وأنتم بحمد الله تحظون بالقابلية والاستعداد الجيد لتعاشروا أهل البيت وتأنسوا بصحبتهم.

السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة

تعليق